إذا عدنا بعقارب الساعة إلى ما لا يزيد عن 50 عامًا للوراء فسيكون بإمكاننا فهم صورة التنقل العالمية اليوم، فعندما كان تعداد سكان العالم لا يتخطى 3.7 مليار شخص، كان انتاج المركبات يقتصر على 30 مليون سيارة وشاحنة سنويًا، ولم تكن الطائرات المتوفرة في ذلك الوقت قادرة على نقل سوى 310 ملايين مسافر فقط.

UK motorway comparison AR

لكن الوضع لم يعد كما كان عليه في السابق، فقد تضاعف عدد سكان العالم، وزاد عدد السيارات الجديدة المنتجة بنحو ثلاثة أضعاف ليصل إلى ما يقرب من 100 مليون مركبة في السنة، كما زاد عدد المسافرين جواً بأكثر من 10 أضعاف ليصل إلى 4 مليارات. [1-2]

ومع تزايد عدد سكان كوكب الأرض بصورة غير مسبوقة، لم يعد من المستغرب أن يزداد الطلب على وسائل النقل، وأن يستمر في التزايد في ظل النمو السكاني الهائل وارتفاع مستويات المعيشة في العالم. لكن الأمر لا يقتصر على ارتفاع الطلب وحسب، فمن الواضح أن نموذج التنقل اليوم بات مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي كان سائدًا في عام 1969.

بالنسبة لغالبية الناس، لم تتغير خيارات التنقل كثيراً منذ خمسين عامًا. التنقل عمومًا يعني استخدام سيارة تعمل بمحرك احتراق داخلي أو قطار أو ربما سفينة. وقد كان السفر جوًا مقصورًا إلى حد كبير على الأثرياء. ويمكن القول أن سياسات النقل داخل المدن، كانت تميل إلى إعطاء الأولوية لإضافة أكبر عدد ممكن من السيارات داخل المدينة وحولها بأسرع وقت ممكن. 

لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات جذرية في كل من التوقعات والنماذج والتقنيات في شتى وسائل التنقل العالمية. فمن المرجح أن يقوم مخططي النقل والقادة المدنيون في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط وأماكن أخرى بحظر السيارات التقليدية من السير في مدنهم بدلاً من تشجيع انتاج المزيد منها، لا سيما وأن رؤساء بلديات باريس ومدريد ومكسيكو سيتي وأثينا، على سبيل المثال، سبق وأن صرحوا بأنهم يخططون لحظر سيارات الديزل الأكثر تلويثًا للبيئة من السير في وسط مدنهم بحلول عام 2025. [3]

ويبدو أن وتيرة التغيير هذه ستتسارع أكثر وأكثر في العقود القادمة في ظل المساعي العالمية لإيجاد طرق أسرع وأكثر فعالية وأمانًا للبيئة لنقل أعداد كبيرة من الناس والبضائع حول الكوكب. 

إن فهم كيفية عمل أنظمة التنقل الجديدة في المستقبل – والتكنولوجيا التي تقوم عليها – يمكن أن يساعد في تحديد الفرص والتحديات التي تواجهنا.  كما أن توقع هذه التغييرات من شأنه أن يُساعد في دفع الاقتصاد وحماية البيئة وحماية المجتمعات، ولكن التخطيط للطريقة الأفضل لمواجهة هذه التحديات يجب أن يبدأ الآن.

تزايد الطلب على اقتناء السيارات على الرغم من الطرق الوعرة

ظاهريًا، لا تبدو التوقعات طويلة المدى مبشرة بالنسبة للسيارات التقليدية، فها هي طرق المدن تزداد ازدحامًا يومًا بعد يوم  تاركة السائقين محاصرين في سياراتهم لفترات طويلة بينما كان بإمكانهم استغلال هذا الوقت الضائع في العمل أو حتى الاستمتاع بممارسة أي نشاط ترفيهي آخر. ومع زيادة متوسط الكثافة في المدن بنسبة 30 في المائة على مدى السنوات الـ 15 المقبلة [4]، تسعى العديد من المدن حول العالم إلى توسيع نطاق بنيتها التحتية للتغلب على مشكلة ضيق المساحات المتاحة لإنشاء طرق جديدة، وهي المشكلة التي أدت إلى تكدس السيارات على الطرق الحالية.

أظهر بحث أجرته شركة إنريكس (Inrix) [5] المتخصصة في معلومات حركة المرور، أن السائقين يقضون ما معدله 73 ساعة في السنة في الاختناقات المرورية في لندن، التي تأتي في المرتبة السابعة بين أكثر مدن العالم ازدحامًا، بينما تحتل المملكة المتحدة ككل المرتبة الثالثة للدول الأكثر ازدحامًا في أوروبا، حيث يقضي بعض السائقين ما يصل إلى 32 ساعة في السنة عالقين في الاختناقات المرورية، وهو ما يؤدي إلى تكبد خسائر تصل إلى حوالي 31 مليار جنيه إسترليني (38.6 مليار دولار أمريكي) تمثل تكلفة الفرص الضائعة.

ومن جهة أخرى، كشفت البيانات التي نشرتها هيئة النقل في لندن (Transport for London)  العام الماضي أن متوسط سرعة الحافلات على العديد من الطرق كان أقل من 5 أميال في الساعة – أي أبطأ بكثير من متوسط سرعة الحمير! ولا يختلف الحال كثيرًا في هونغ كونغ، حيث يبلغ متوسط السرعة في بعض الطرق المركزية أقل من 6 أميال في الساعة، وذلك وفقًا لتقرير حكومي صدر عام 2015. [6]

ولا يقتصر الأمر على مسألة السرعة وحسب، فما زالت مشكلة التلوث تشكل الهاجس الأكبر.  وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يُعد قطاع النقل الأكبر في زيادة معدلات الانبعاثات الضارة بالمناخ والصحة على حد سواء، حيث تتسبب الجسيمات المنبعثة من السيارات والمركبات الأخرى – بما في ذلك الكربون الأسود وثاني أكسيد النيتروجين – في مجموعة من الأمراض الخطيرة مثل أمراض الجهاز التنفسي والسكتات الدماغية والنوبات القلبية والخرف ومرض السكري [7] .

وفي الولايات المتحدة، تمثل السيارات والشاحنات حوالي خمس إجمالي الانبعاثات في البلاد، في حين أن قطاع النقل ككل – الذي يشمل السيارات والشاحنات والطائرات والقطارات والسفن ومركبات الشحن، ينتج حوالي 30 في المائة من مجمل الانبعاثات المتسببة في الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة، وهذا معدل يفوق أي قطاع آخر.[8]   ولا شك في أن أي تدابير تتخذ لخفض الانبعاثات الناتجة عن أسطول النقل ستحقق فوائد هائلة من حيث الحد من التلوث وتحسين جودة الهواء.

يتسبب تلوث الهواء في حوالي 40,000 حالة وفاة مبكرة في المملكة المتحدة كل عام، الأمر الذي دفع الحكومة البريطانية (التي خسرت ثلاث قضايا قضائية بسبب جودة الهواء منذ عام 2015) إلى وضع خطط لحظر السيارات والشاحنات الجديدة التي تعمل بالبنزين والديزل ابتداءً من عام 2040 كجزء من استراتيجية الهواء النظيف وبتكلفة تصل إلى 3 مليارات جنيه إسترليني (3.9 مليار دولار أمريكي).

دول أخرى على الطريق.

 تعهدت فرنسا أيضًا بوقف بيع السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل بحلول عام 2040، في حين اقترحت الدنمارك فرض حظر كامل على السيارات الجديدة التي تعمل بالبنزين والديزل بحلول عام 2030 وحتى على السيارات الهجينة اعتبارًا من العام 2035. [9]

وعلى الرغم من اختلاف البيانات، تتوقع العديد من الدراسات العلمية أن التقاعس في اتخاذ تدابير علاجية من شأنه أن يجعل الارتفاع في متوسط درجات الحرارة العالمية بعدة درجات بحلول نهاية القرن أمرًا واقعيًا.  وإذا لم يتم الوفاء بأهداف اتفاقية باريس المناخية، فإن ربع سكان العالم قد يتعرضون للجفاف بحلول عام 2050. [10]

يلقي تراجع إمدادات الوقود الأحفوري بظلاله على طول عمر الجيل الحالي من السيارات والشاحنات. فبحسب المعلومات المتوفرة حول حجم الاحتياطيات المؤكدة ومستويات الإنتاج السنوية، يمكن أن ينضب النفط والغاز الطبيعي في أقل من 50 عامًا من الآن. [11]

وعلى الرغم من هذه الحقائق والقيود، ما زالت أعداد السيارات آخذة في الارتفاع. فهناك دولتان فقط، الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تستأثران بحوالي نصف مليار سيارة قيد التشغيل [12]. ويشير الاختلاف في ملكية الفرد بين البلدين (857 مركبة لكل 1000 شخص في الولايات المتحدة الأمريكية، مقارنة بـ 155 لكل 1000 شخص في الصين) إلى أنه مع استمرار الاقتصاد الآسيوي في مسار النمو الإيجابي، فإن التوسع في اقتناء المركبات في الصين لا يزال أمامه شوط طويل. وفي المملكة العربية السعودية، التي تعد من الاقتصادات سريعة النمو، بلغ عدد السيارات المسجلة نحو 6.6 مليون سيارة حتى عام 2015، بعد أن تضاعفت عن العقد السابق. [13]

ومع أن مفهوم “السيارة الخاصة” ما زال يتصدر المشهد منذ بضع سنوات، فإن طبيعة تلك السيارة – والطريقة التي تتفاعل بها مع صورة النقل الأوسع – هي واحدة من الجوانب التي يتوقع أن تشهد أكبر التحولات في أنظمة التنقل في المستقبل.

رؤى المركبات للمستقبل (القريب)

ترى شركة ماكينزي للاستشارات الإدارية العالمية أن العديد من المناطق الحضرية ستشهد ثورة في التنقل مدفوعة بنمو المدن الكبرى، وظهور لاعبين جدد في الصناعة مثل شركة أوبر (Uber) و ديدي شوكسينج (Didi Chuxing) الصينية، وبروز وصعود نجم السيارات الكهربائية. ففي تقريرها الذي نشرته بعنوان “رؤية متكاملة لمستقبل التنقل [14] ، أشارت ماكينزي أنه على الرغم من أن التغييرات ستختلف على مستوى العالم، إلا أنها ستستند بشكل عام إلى واحد من ثلاثة نماذج:

  • وسائل النقل الجماعي الصديقة للبيئة، وهو ينطبق على المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية في البلدان النامية من المكسيك إلى الهند، حيث يمكن أن يؤدي ضعف البنية التحتية والسلوكيات العشوائية على الطرق إلى الحد من الارتفاع المستمر للسيارات ذاتية القيادة العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي، لتحل محلها السيارات الهجينة والكهربائية (EV) في المقدمة، إلى جانب مركبات النقل الجماعي، وركوب الخيل وأنظمة النقل العام الموسع. وتعتقد ماكينزي أن مركبات النقل الجماعي يمكن أن تمثل حوالي 50 في المائة من الرحلات في العديد من المدن الآسيوية بحلول عام 2030.
  • مركبات القيادة الذاتية، سيؤثر هذا النموذج على الاقتصادات الأكثر تقدماً مثل الولايات المتحدة حيث تسبب الزحف العمراني في جعل ملكية السيارات أمراً حيوياً. وسيؤدي ذلك إلى ظهور ليس فقط السيارات الهجينة والكهربائية في “المدن الذكية” المليئة بمحطات شحن مريحة (وسريعة)، ولكن أيضًا مركبات ذاتية القيادة تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتي تم الكشف عن عدد كبير منها في النسخة الأخيرة من معرض فرانكفورت الدولي للسيارات.
  • نظام التنقل السلس، من المرجح أن يظهر هذا النموذج في المدن الغنية المكتظة بالسكان مثل لندن وسنغافورة، حيث تتكامل وسائل النقل الخاصة والمشتركة والعامة بأسلوب مبسط، وتدار جميعها بواسطة منصات ذكية.

وفيما يتعلق بالسيارات الكهربائية، أشارت ماكينزي إلى أن “تكاليف حزمة بطارية ليثيوم أيون انخفضت بنسبة 65 في المائة من عام 2010 إلى عام 2015، ومن المتوقع أن تنخفض إلى أقل من 100 دولار أمريكي لكل كيلو واط/ساعة خلال العقد المقبل” .

وهذه التغييرات مجتمعة ستحدث حتمًا تأثيرًا ملموسًا في عالم النقل، فبحسب بيانات نشرتها منصة “إي في فوليامز” (EV volumes)، وهي قاعدة بيانات عالمية لمبيعات السيارات الكهربائية، تم بيع أكثر من 1.1 مليون سيارة كهربائية خلال النصف الأول من عام 2019، بزيادة قدرها 46 في المائة عن نفس الفترة من عام 2018. وهذا يشمل جميع مبيعات سيارات الركاب الهجينة التي تعمل بالبطاريات، والشاحنات الخفيفة في الأمريكيتين، والمركبات التجارية الخفيفة في أوروبا وآسيا. وتشير البيانات كذلك إلى أن 74 في المائة من السيارات المباعة تعمل بالبطاريات وأن 26 في المائة منها كانت عبارة عن مركبات هجينة، وهو ما يمثل تحولًا بنسبة 11 في المائة نحو السيارات العاملة بالبطاريات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2018. [15] .

واختتمت ماكينزي تقريرها بدعوة إلى التعاون نحو تحقيق الأهداف المشتركة للقطاعين العام والخاص، مشيرة إلى أن الحكومات والمبتكرين ينبغي أن يدركوا كيف يمكن أن يؤدي نجاح بعض الجوانب في نموذج ما (على سبيل المثال، السيارات ذاتية القيادة أو أنظمة النقل المشترك) إلى إحداث تحول في النماذج الأخرى، مثل النقل العام.

في الواقع، يشهد قطاع النقل العام بالفعل إقبالًا مطردًا على المركبات الكهربائية في جميع أنحاء العالم.  ففي عام 2017، قالت مدينة شينزين الصينية إن جميع حافلاتها التي يزيد عددها عن 16,000 قد أصبحت تعمل بالكهرباء، ما يجعل المدينة حاضنة لأول أسطول للحافلات المكهربة بنسبة 100 في المائة في العالم. وفي ألمانيا، دخلت شركة سيمنز في شراكة مع مشغلي الحافلات لتوفير محطات إعادة شحن تصلح لجميع المركبات المنتجة بواسطة مختلف الشركات المصنعة، وهي خطوة أساسية في ضمان العمل ضمن منظومة واحدة. [16]  

وبالمثل، في أديليد بأستراليا، أدخلت سلطات المدينة أول حافلة تعمل بالطاقة الشمسية في العالم في عام 2013، في حين تخطط لندن لإضافة 68 حافلة جديدة عديمة الانبعاثات ذات طابقين إلى أسطولها في عام 2019، وبذلك يصل إجمالي عدد الحافلات الكهربائية في المدينة إلى 240. وبحلول عام 2037، ستكون جميع الحافلات في لندن عديمة الانبعاثات، حسبما أعلنته السلطات. [17]

وعلى الرغم من هذا الحراك الذي يشهده قطاع النقل العام، إلا أن ظهور السكوتر الكهربائي في المناطق الحضرية يشير إلى أن الطلب على المركبات الفردية ليس بعيدًا عن الانخفاض. وفي هذا الصدد، يرى خبراء الصناعة في شركة ديلويت (Deloitte) أن “وسائل التنقل الصغيرة” مؤهلة بجدارة للانضمام إلى شبكات النقل العام المختلفة، وهو ما سيؤدي إلى خفض الاعتماد على السيارات الخاصة، وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة.

شهدنا نمواً سريعاً.

لاحظت شركة ديلويت أن خدمة تأجير السكوتر الكهربائي سجلت 10 ملايين رحلة في عامها الأول في كاليفورنيا، فيما سجلت شركة لايم (Lime) المتخصصة في تأجير السكوتر والدراجات الكهربائية وسيارات النقل الجماعي 34 مليون رحلة في إطار زمني مماثل. [18]

وبطبيعة الحال، ترتبط وسائل التنقل الصغيرة بمجموعة من التحديات ذات الطبيعة الخاصة كالتخريب والسرقة، وتكلفة التصليح وإعادة شحن الوحدات، فضلًا عن عدم ملاءمتها للنقل التجاري وخلو السياسات الحكومية من تشريعات بشأنها (مثل السلامة أو حقوق المرور).

 وهذا كله يؤكد على أهمية أن يعمل القطاعان العام والخاص في وئام لضمان استمرار الحماس وعدم اختفاء وسائل التنقل الصغيرة تحت وطأة الروتين والتشريعات. وتتوقع شركة ديلويت أن تشجيع وسائل التنقل الصغيرة”، من شأنه أن يمنح “المدن الكبيرة المكتظة فرصة حقيقية لتجاوز حدود البنية التحتية الحالية وصياغة نهج جديد لإدارة أنظمة التنقل في المستقبل.”.

صورة لقطار كوراديا إلينت، وهو قطار إقليمي يعمل بالطاقة الهيدروجينية تم تدشينه بواسطة  شركة ألستوم. يتم تزويد القطار بالوقود في سالزجيتر، ألمانيا.
مصدر الصورة: غوردون فيلترز لصحيفة نيويورك تايمز

ومع أخذ كل ذلك في الاعتبار، يمكن لهذه التقنيات أن تشق طريقها إلى مشهد أوسع إذا ما أمكن استخدامها في المستقبل في الطائرات (هناك اختبارات جارية اليوم على الطائرات التي تعمل بالكهرباء بل وقد تستخدم الطاقة الشمسية أيضًا في تشغيل الطائرات [19]) والقطارات الصديقة للبيئة (في سبتمبر 2018، دخل أول قطار ركاب تجاري يعمل بالهيدروجين في العالم إلى الخدمة في ساكسونيا السفلى بألمانيا [20]) لتصبح الرحلات أكثر نظافة وأمانًا وأسرع للجميع.

وضع فريد للاستفادة من الفرص الذهبية

إذا كان مستقبل التنقل الشخصي يكمن في المركبات الكهربائية، فهذا يعني أن دول الشرق الأوسط ستكون في وضع أفضل للازدهار لا سيما مع أشعة الشمس الكثيفة والمشرقة لساعات طويلة والعمالة منخفضة التكلفة والمساحات المفتوحة الشاسعة التي تتيح للمنطقة إنتاج كمية متزايدة من الكهرباء بالطاقة الشمسية.

تخطط المملكة العربية السعودية وحدها لإنتاج 9.5 غيغاواط إضافية من الطاقة النظيفة في العقد القادم، فيما تعمل كلا من الأردن ومصر على تأمين التمويل من البنوك الدولية لمشاريع الطاقة الشمسية، وهو ما دفع مجموعة وود ماكنزي (Wood Mackenzie) لأبحاث واستشارات الطاقة إلى الإشادة بجهود بعض الدول للدخول إلى سوق الطاقة الكهروضوئية والتي يتركز معظمها في الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط (المملكة العربية السعودية وإيران ومصر وإيطاليا). [21]

ولربما تتعاظم هذه الفرص أمام البنية التحتية الحديثة نسبيًا في العديد من مدن الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، أشاد كريستيان دراكوليك، مدير الابتكار في وزارة النقل والابتكار والتكنولوجيا في النمسا، في كلمته أمام المؤتمر الدولي الرابع حول التنقل في المستقبل في أبو ظبي 2018، بدولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها من أوائل الدول التي سارعت إلى تبني الذكاء الاصطناعي في أنظمة التنقل المستقبلية.

وأضاف دراكوليك قائلًا: “مقارنة بأوروبا، ليس لدولة الإمارات العربية المتحدة تاريخ طويل في البنية التحتية للنقل، ومع ذلك فقد يتحول هذا إلى ميزة لأن الدولة لا تحتاج إلى ضخ استثمارات هائلة في بنيتها التحتية العتيقة وأنماط التنقل المحدودة تقنياً.” وقد يكون من المجدي بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تتخطى بعض مراحل التطوير التكنولوجي وتشرع على الفور في إطلاق حلول جديدة للتنقل، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كتقنية تمكينية.” [22]

ويرى البعض أن الحل لا يكمن بالضرورة في امتلاك وسائل التنقل الفردية، بل ربما يتمثل في التحكم في النظام الرقمي الذي يوحد بين وسائل النقل المختلفة هذه. وهذا لا يسمح فقط بإدارة تدفق حركة المرور، بل يتيح أيضًا للمسافرين الوصول إلى معلومات النقل عبر واجهة واحدة في الوقت الفعلي وسهلة الاستخدام.

ومع ذلك، ستحتاج أي شبكات طرق مستقبلية في الشرق الأوسط إلى مواجهة تحديات الازدحام والسلامة، وكلاهما مجالان يجدر بهذه المنطقة سريعة الحركة أن تقتفي فيها أثر العالم المتقدم. ففي دبي، على سبيل المثال، تستغرق الرحلة المتوسطة أكثر من 29 في المائة من المدة المستغرقة في الفترات غير المزدحمة، مقارنة بـ 20 في المائة في الغرب. [23]  كما تحتاج مدن الشرق الأوسط إلى تقليل معدل الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق من خلال مزيد من التدابير لتنظيم حركة المرور وإنفاذ التشريعات المرورية؛ حيث يبلغ عدد الوفيات في الإمارات 18.1 لكل 100,000 نسمة سنويًا، والمملكة العربية السعودية 27.4، وعمان 25.4، مقابل 3.1 في المائة فقط في المملكة المتحدة. [24]

وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، سيكون من الضروري النظر إلى أنظمة النقل بصورة شاملة وليس فردية. وفي المناخات الحارة، حيث يعد المشي وركوب الدراجات خيارات أقل قابلية للتطبيق لفترات طويلة من اليوم، خاصة في أشهر الصيف، يجب أن تتبنى أنظمة النقل العام – حيثما كان ذلك ممكنًا – حلولًا لتوفير رحلات من الباب إلى الباب. بمعنى، إذا كانت الرحلات متصلة وسلسة، فسيزداد الإقبال عليها تلقائيًا.

تقوم استراتيجية النقل المستقل في دبي على مجموعة من الرؤى والأفكار المستنيرة، حيث تهدف إلى تحويل 25 في المائة من إجمالي النقل في دبي إلى المركبات ذاتية القيادة بحلول عام 2030، وهذا يتضمن خمسة ملايين رحلة يومية وتوفير 22 مليار درهم من التكاليف السنوية.[25] وبالمثل، في الرياض، تستثمر الحكومة مليارات الدولارات في نظام نقل جديد يدمج ما بين أنظمة النقل السريع بالمترو والحافلات في جميع أنحاء المدينة.

نحو نوع جديد من التنقل

من منطلق حماسها لدعم بيئة مستدامة للأجيال القادمة، تسهم عبداللطيف جميل أيضًا بشكل خاص في أنظمة التنقل الأكثر كفاءة وأمانًا للبيئة.

وكونها لاعبًا مؤثرًا في القطاعات الرئيسية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها، تدرك عبداللطيف جميل أهمية تبني خيارات النقل المستدامة والفعالة للمجتمعات المحلية المزدهرة. وتعي الشركة أيضًا أن التخطيط لحركة الأشخاص والسلع لا يقل أهمية عن التخطيط للإسكان والتعليم والصحة، وهي القطاعات التي تنشط فيها الشركة بفعالية أيضًا.


تعمل شركة عبد اللطيف جميل موزعًا لشركة تويوتا في عدد من الأسواق الرئيسية لسنوات عديدة (المملكة العربية السعودية منذ عام 1955)، وتتصدر تويوتا طليعة الحراك نحو إنتاج سيارات أكثر كفاءة وأمانًا للبيئة، وهي كذلك إحدى الشركات الرائدة في السوق العالمية في مبيعات السيارات الكهربائية الهجينة، وأول شركة تنتج سيارات مثل بريوس تويوتا (Prius Toyota) في عام 1997، وهي الآن السيارة الهجينة الأكثر مبيعًا في العالم بمبيعات تخطت 4 ملايين سيارة.

ولا تتوقف ريادة تويوتا وابتكارها في أحدث حلول التنقل البيئي عند هذا الحد، حيث تواصل الشركة جهودها في مجال البحث وتطوير خلايا الوقود الهيدروجينية منذ أوائل عام 2000، وفي عام 2014 كشفت الشركة النقاب عن سيارة ميراي، التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجينية الخالية من الانبعاثات وتستخدم غاز الهيدروجين المضغوط الذي تتمثل عوادمه في الماء فقط.

وتزامنًا مع هذه الجهود، قامت عبد اللطيف جميل مؤخرًا بتوريد أسطول من مركبات ميراي لصالح مشروع تجريبي بين أرامكو السعودية وشركة إير برودكتس، وهو عبارة عن أول محطة لتزويد المركبات بالوقود الهيدروجيني في المملكة العربية السعودية في مجمع الظهران للتقنية.

من اليسار إلى اليمين): الدكتور سهل عبد الجواد، رئيس جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ورئيس مجلس إدارة شركة وداي الظهران للتقنية القابضة؛ وسيفي قاسمي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة إير برودكتس؛ وأمين ناصر، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أثناء افتتاح أول محطة للتزود بوقود الهيدروجين في المملكة العربية السعودية في مركز تكنولوجيا المنتجات الجديد بوادي لظهران للتقنية في 18 يونيو ، 2019. مصدر الصورة: إير برودكتس

وقال رعد السعدي من شركة عبد اللطيف جميل للسيارات، واصفًا وقود الهيدروجين: “هذا الوقود النظيف والمستدام يتيح للسائقين التزود بالوقود في غضون 5 دقائق كما هو الحال في محطات الوقود التقليدية، مع إمكانية السير لمسافات أطول بكثير مقارنة بالسيارات الكهربائية.” [26]

وإثباتًا لالتزامها بطرح نموذج تنقل مستقبلي أكثر استدامة، تستثمر عبد اللطيف جميل بشكل أساسي في شركة ريفيان (RIVIAN)، وهي شركة واعدة في صناعة السيارات الكهربائية والنقل مقرها الولايات المتحدة. ومن بين أبرز المستثمرين الآخرين في شركة ريفيان، عملاق البيع بالتجزئة أمازون الذي مول الشركة بقيمة 700 مليون دولار أمريكي، وشركة فورد موتور التي تساهم في ريفيان بمبلغ 500 مليون دولار أمريكي، تليها كوكس أوتوموتيف بمبلغ 350 مليون دولار أمريكي.

وقال جيف ويلك، المدير التنفيذي لقسم المستهلك العالمي في أمازون، أن شركة أمازون “استلهمت رؤية ريفيان لمستقبل النقل الكهربائي”. وفي إشارة لعزمها التخلي عن الوقود الأحفوري تمامًا بحلول عام 2040، استهلت أمازون شراكتها مع ريفيان بطلبية لـ 100,000 سيارة توصيل كهربائية من ريفيان، منها 10,000 مركبة ستدخل الخدمة بحلول عام 2022، وستسهم هذه المركبات الـ 100,000 عند دخولها الخدمة بحلول عام 2030، في “توفير 4 ملايين طن متري من انبعاثات الكربون سنويا بحلول عام 2030”.

 

ضباب الدخاني الكيميائي الضوئي، يحدث بشكل بارز في المناطق الحضرية المكتظة  بالمركبات.
مصدر الصورة: دانيال شتاين / iStock.com

وكانت شركة ريفيان قد كشفت عن أول طرازين لها، وهما شاحنة بيك آب كهربائية (R1T) وسيارة دفع رباعي كهربائية (R1S)، في معرض لوس أنجلوس للسيارات في نوفمبر 2018، وتعتزم بدء إنتاجهما في العام 2020. وتنتمي هاتين المركبتين إلى “الجيل الثالث من التحكم الذاتي” – ما يعني أن السائقين سيكون بإمكانهم القيام بمهام أخرى أثناء القيادة – ويتوقع أن تعيد تعريف الأداء في السيارات الكهربائية. على سبيل المثال، يمكن لشاحنة ريفيان أن تتسارع من الصفر إلى سرعة 97 كم/ساعة في ثلاث ثوان، وأن تعبر بأمان في عمق 1.1 متر من الماء وتتسلق منحدر يصل ميله إلى 45 درجة. ويصل مدى الطراز الجديد إلى 725 كم في الشحنة الواحدة.

قد تبدو هذه التطورات مثيرة، إلا أن مستقبل التنقل لا يقتصر على منتج أو نظام أو علامة تجارية واحدة، حيث تظل الانطلاقة الحقيقة رهناً بتحقيق نوع من “التكامل” بين الحكومات والباحثين والتكنولوجيين والمخططين.

وبطبيعة الحال، ستكون تقنيات معينة مثل المركبات الكهربائية أو الهيدروجينية أو الحافلات الكهربائية أو الدراجات الكهربائية أو خطوط المترو ذاتية القيادة جزءًا رئيسيًا من مشهد التنقل غدًا، لكن المشهد لا يكتمل إلا بربط هذه الوسائل المختلفة معًا بنظام نقل متكامل وسهل الاستخدام وفعال يمكن تحقيق تغيير طويل الأجل وإحداث تحول في السلوك والتصورات العامة.

وتقول ديلويت في تقريرها عن الحكومات ومستقبل التنقل [27]، أن “إنشاء وصيانة نظام بيئي جديد للتنقل سيتطلب منا إعادة التفكير في الطرق التقليدية لممارسة الأعمال”.

ولهذا تنتهج عبد اللطيف جميل نهج الاستثمار المبتكر على نطاق عالمي في أنشطتها، فمن خلال استثمارها المستمر في “البنية التحتية الأساسية للحياة” في الأسواق الرئيسية في جميع أنحاء العالم، بدءاً من النقل إلى الطاقة، ومرورًا بالتجارة الإلكترونية إلى العقارات، تلتزم عبد اللطيف جميل بدعم نهج جديد للتنقل يمكن أن يساعد في توفير مستقبل آمن بيئيًا للجميع.

[1] https://www.bts.gov/bts/archive/publications/national_transportation_statistics/table_01_23

[2] https://data.worldbank.org/indicator/IS.AIR.PSGR?end=2017&start=1970

[3] Gearing up for change: transport sector feels the heat over emissions

[4] https://www.mckinsey.com/business-functions/sustainability/our-insights/an-integrated-perspective-on-the-future-of-mobility

[5] http://inrix.com/scorecard/

[6] https://www.erp.gov.hk/download/PEReport_full_EN.pdf

[7] Gearing up for change: transport sector feels the heat over emissions

[8] https://www.ucsusa.org/clean-vehicles/car-emissions-and-global-warming

[9] Gearing up for change: transport sector feels the heat over emissions

[10] https://www.nature.com/articles/s41558-017-0034-4

[11] https://ourworldindata.org/how-long-before-we-run-out-of-fossil-fuels#note-6

[12] https://www.forbes.com/sites/jackperkowski/2018/11/27/will-2018-be-an-inflection-point-for-chinas-auto-sales/#5d5b30983ed1

[13] https://www.ceicdata.com/en/indicator/saudi-arabia/motor-vehicle-registered

[14] https://www.mckinsey.com/business-functions/sustainability/our-insights/an-integrated-perspective-on-the-future-of-mobility

[15] http://www.ev-volumes.com/news/81958/

[16] Gearing up for change: transport sector feels the heat over emissions

[17] https://www.intelligenttransport.com/transport-news/87086/the-london-electric-bus-fleet-is-the-largest-in-europe/

[18] https://www2.deloitte.com/insights/us/en/focus/future-of-mobility/micro-mobility-is-the-future-of-urban-transportation.html

[19] https://www.theguardian.com/environment/2016/jul/26/solar-impulse-plane-makes-history-completing-round-the-world-trip

[20] https://www.theguardian.com/environment/2018/sep/17/germany-launches-worlds-first-hydrogen-powered-train

[21] https://www.woodmac.com/news/editorial/10-trends-shaping-the-global-solar-market-in-2019

[22] https://www.dubaiglobalnews.com/2018/11/08/94531

[23] https://www.newmobility.global/future-transportation/urban-mobility-growth-leading-example-middle-east/

[24] Global status report on road safety 2018, WHO, 2018.

[25] Dubai World Congress for Self-Driving Transport

[26] https://www.alj.com/en/news/saudi-aramco-air-products-build-saudi-arabias-first-hydrogen-fuel-cell-vehicle-fueling-station/

[27] https://www2.deloitte.com/insights/us/en/focus/future-of-mobility/government-and-the-future-of-mobility.html